
يُلقَّب عسل السدر بـ«ملك العسل» لأسباب يمكن عدّها: قطفة واحدة في السنة، ومناطق إنتاج بعيدة وعرة، وطعم عميق يعرفه أهله، وطلب يفوق ما تنتجه الأودية كل موسم. لكن اللقب ليس تصنيفًا علميًّا ولا شهادة رسمية، بل وصف شعبي يستحقه العسل حين يكون سدرًا حقيقيًّا معروف المصدر. وهذا ما نفصّله هنا بإنصاف.
لا توجد جهة منحت السدر هذا اللقب. هو وصف تناقله الناس في اليمن والخليج حتى صار مألوفًا في الأسواق ولدى الباعة على الإنترنت. وأصله المكانة التي احتلّها عسل السدر عند العرب: عسلٌ يُدّخر للضيف، ويُحمل هدية في الأعياد والأفراح، ويُسأل عنه قبل غيره.
ويزيد من هذه المكانة أن شجرته، السدرة، مذكورة في القرآن الكريم، وأن اسمها مرتبط بسدرة المنتهى. فالعسل يستمدّ من شجرته جزءًا من مهابته في نفوس الناس.
نعم، وندرته لها أسباب واضحة لا علاقة لها بالتسويق:
هذه أرقام صغيرة إذا قورنت بحجم الطلب، ولا يمكن مضاعفتها بقرار؛ فالشجرة تزهر حين تزهر، والمطر يأتي حين يأتي.
من ذاق السدر اليمني الجيد يعرفه بثقله وانسيابه البطيء، وبحلاوة عميقة لا تلسع الحلق، وبنكهة تبقى في الفم بعد اللقمة. ورائحته واضحة يميّزها من اعتاد العسل اليمني دون أن يرى الملصق.
وهذا التميّز في الطعم شهد له محكّمون مستقلون: فقد نال عسل السدر الملكي من سدرة جائزة Great Taste لعام 2025 بنجمتين، من نقابة الأغذية الفاخرة في بريطانيا. والجائزة تقيس الطعم والجودة وحدهما، وهذا بالضبط ما يصنع سمعة «الملك».
لأن سمعته سبقته إلى كل مكان يعيش فيه عرب ومسلمون، بينما بقي إنتاجه محكومًا بموسم واحد وأودية محدودة. بل إن اليمن نفسه لا يكفيه إنتاجه من العسل؛ إذ يذكر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (2020) أن نصف استهلاك اليمن المحلي من العسل مستورد.
وحين يكون الطلب أكبر من المعروض يرتفع السعر، ويظهر من يحاول سدّ الفجوة بطرق غير نزيهة: خلط السدر بعسل أرخص، أو بيع عسل مستورد على أنه يمني. وقد رصد مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية (2023) إعادة بيع عسل كشميري من اليمن باسم العسل اليمني.
الإنصاف يقتضي أن نقول: لا يوجد ترتيب علمي يضع عسلًا واحدًا فوق كل أنواع العسل. الذوق يختلف، ولكل عسل أهله.
فاللقب يعبّر عن مكانة السدر وسعره وندرته، لا عن أن غيره أقل شأنًا. والأهم أن «الملك» لا يكون ملكًا إلا إذا كان سدرًا يمنيًّا حقيقيًّا؛ أما المخلوط أو المجهول المصدر فلا يغني عنه الاسم شيئًا.
الجرّة الأنيقة والاسم الرنّان لا يثبتان شيئًا، ولا الاختبارات المنزلية المتداولة كذلك. ما يثبت الأصل هو المنشأ المعروف والتحليل المخبري وشفافية البائع. في سدرة يُفحص كل عسل في مختبر في ماليزيا بعد وصوله، بعد أن يمرّ بالتذوّق في نقطة الاستلام في صنعاء وبمختبر في اليمن قبل الشحن. وأصناف عسلنا الأربعة حاصلة على شهادة الحلال من جاكيم في ماليزيا.
